اخبار
الرئيسية > لبنان > رائد شرف الدين: الحوكمة الرشيدة أداة مثلى لتحقيق تنمية مجتمعية
شرف الدين

رائد شرف الدين: الحوكمة الرشيدة أداة مثلى لتحقيق تنمية مجتمعية

ألقى النائب الأول لحاكم مصرف لبنان رائد شرف الدين محاضرة في الفرع الخامس لكلية العلوم الاقتصادية وإدارة الأعمال في الجامعة اللبنانية ــ النبطية، جاء فيها:

“ما الفرق بين البلدان الغنية والبلدان الفقيرة؟ أيقاس ذلك بعمرها (قدمها في التاريخ)؟ فمصر مثلاً يفوق عمرها ألفي عام وهي فقيرة. أما كندا وأوستراليا ونيوزيلاندا فلم تكن موجودة قبل 150 سنة ورغم ذلك هي دول متطورة وغنية. ولا يمكن رد فقر الدول أو غناها الى مواردها الطبيعية المتوافرة. لليابان مساحة محدودة 80% من أراضيها عبارة عن جبال غير صالحة للزراعة أو لتربية المواشي، ولكنها تمثل ثاني أقوى إقتصاد في العالم. فهي عبارة عن مصنع كبير عائم، يستورد المواد الخام لإنتاج مواد مصنعة يصدرها لكل أقطار العالم. مثال آخر هو سويسرا، فعلى الرغم  عدم زراعتها للكاكاو إلا أنها تنتج أفضل شوكولا في العالم. ومساحتها الصغيرة لا تسمح لها بالزراعة أو بتربية المواشي لأكثر من أربعة أشهر في السنة إلا أنها تنتج أهم منتجات الحليب وأغزرها في العالم. إنها بلد صغير ولكنها صورة الأمن والنظام والعمل التي تعكسها، يجعلها أقوى خزنة في العالم”.

المتابعون للتفاوت بين البلاد المتطورة لم يجدوا فوارق تميز الناس من الناحية العقلية ولجهة إمكانياتهم. اللون والعرق لا تأثير لهما. فالمهاجرون المصنفون كسالى في بلادهم الأصلية هم القوة المنتجة في أوروبا والولايات المتحدة وأوستراليا وكندا.

أين يكمن الفرق إذن؟ يكمن الفرق في السلوك المتشكل والمرسخ عبر سنين من التربية والثقافة. عند تحليل سلوك الناس في الدول المتقدمة نجد أن الغالبية يتبعون المبادئ التالية في حياتهم:

1 – الأخلاق كمبدأ أساسي.

2 – الاستقامة.

 3- المسؤولية.

4 – احترام القانون والنظام.

5 – احترام حقوق باقي المواطنين.

6 – حب العمل.

7 – حب الاستثمار والإدخار.

8 – السعي للتفوق والأعمال الخارقة.

9 – الدقة.

في البلدان الفقيرة لا يتّبع هذه المبادىء سوى قلة قليلة من الناس في حياتهم اليومية. الناس ليسوا فقراء أو متخلفين بسبب نقص في الموارد أو بسبب كون الطبيعة قاسية معهم. الشعوب فقيرة بسبب عيب في السلوك، وخلل في النظم وبسبب عجز في التأقلم مع المبادىء الأساسية وتعلّمها، هي التي أدت الى تطور المجتمعات وغناها.”

إن الفساد أي “سوء استغلال من أجل مكاسب شخصية”، وفق تعريف منظمة الشفافية الدولية، آفة العصر الأولى والعائق الأكبر أمام التطور الاقتصادي والديموقراطي في دول العالم بصورة عامة ودول العالم الثالثة بصورة خاصة.

خلال عقود طويلة، ساد الفساد جزء من ثقافة بعض البلدان، ولذلك وجب القبول به وعدم التعرض له. إلا أنه أصبح جلياً أن الفساد في كل من القطاعين العام والخاص يشكل تهديدا للأمن الوطني، فهو يقوّض ثقة المواطنين في الحكومات ويعيق المنافسة العادلة والشريفة. ويساهم في انتشار ظاهرتي الفقر والبطالة إضافة الى تنامي الجريمة المنظمة.

حيث أن بإمكان أي منا إدراج لائحة بنماذج متعددة لأنماط الخلل وحالاته في الإدارة اللبنانية وحيث أن طقس “جلد الذات” لا طائل منه، أرغب عوضاً عن التكلم في ذلك. التحدث في ما نصبو إليه جميعاً وهو نظام الحوكمة الرشيدة. فمفهوم الحوكمة، في معناه الأشمل، يمتد ليشمل جميع المؤسسات العاملة في المجتمع، سواء كانت شركات أو مؤسسات إنتاجية أو خدماتية. وسواء كانت تلك الشركات مدرجة أو غير مدرجة، شركات أشخاص أو شركات أموال أو شركات عائلية. وسواء كانت تلك المؤسسات مملوكة من القطاع الخاص أو مملوكة من القطاع العام، والتي يرتبط نشاطها إما بإنتاج سلعة وإما بتقديم خدمة لمصلحة الفرد ورفاه والمجتمع ككل.

بعد لمحة سريعة حول نشأة الحوكمة الرشيدة، سوف أستعرض في مداخلتي اليوم مبادئ حوكمة الشركات ومن ثم ألقي الضوء على أبرز المبادرات التي نشهدها على صعيد الحوكمة الخاصة والعامة (على مستوى الدولة والحكومة).

النشأة

على رغم ارتباط ظهور نظام حوكمة الشركات في العصر الحديث بالأزمات والانهيارات المالية الناجمة أحياناً عن انحراف بعض عناصر الإدارة التنفيذية المتمثل في شيوع الإهمال والاستغلال والفساد والتلاعب بالحسابات، إذ أن مصطلح الحكم (الإدارة) لا يعد! مصطلحاً جديداً فهو قديم قدم الحضارة الإنسانية ومن ضمنها مثلاً، الحضارة الإسلامية، من خلال الأسس التي تقوم عليها العقود وفقاً للشريعة السمحاء كالعدالة والمسؤولية والمساءلة والشفافية.

أما مفهوم الحوكمة بصيغته الحديثة، فقد ظهر مع نشوء الشركات التجارية، وانتشار ظاهرة فصل الملكية عن الإدارة مما قد يؤدي الى تعارض مصالح إدارة الشركة وحملة الأسهم. وقد تزايد الاهتمام بالحوكمة خلال السنوات الماضية بسبب الأزمات المالية والاقتصادية وانهيار شركات كبرى، كالتي شهدتها العديد من أسواق المال في جميع أنحاء العالم، ولا سيما منها الأزمة المالية والاقتصادية الأخيرة أواخر عام 2008.

المفهوم والمبادئ

تعرف الحوكمة أو “التيسير الرشيد” أو “الحكم الرشيد” إجمالاً، بنظام للإدارة والرقابة والتوجيه سواء كانت إدارة عامة أو خاصة، يشمل مجموعة من القواعد والمبادئ والإجراءات الهادفة الى تحقيق التوفيق والتوازن بين أصحاب الفئات المعنية. وتحديد الحقوق والمسؤوليات في ما بينها، ضمن إطار عام من الشفافية والإفصاح والمساواة في الفرص.

من الطبيعي أن يطرح تساؤل حول علاقة الحوكمة الرشيدة بالإصلاح الإداري. إن الأخير يهدف الى تغييرات أساسية في أنظمة الإدارة بما يكفل تحسين مستويات الأداء ورفع كفاءة النظم الإدارية عبر إحداث نقلة نوعية في تقديم الخدمات مع تقليص التكاليف وتحويل إدارة الخدمات من أسلوب بيروقراطي الى أسلوب أكثر مرونة وفعالية. وعليه، فإن آليات الإصلاح الإداري وإجراءاته، تعدّ من العناصر المهمة في نظام الحوكمة الذي يمثل حلاً فعالاً للشللية والمحسوبية واستغلال النفوذ والزبائنية والمحاباة.

الحوكمة رديف لمفهوم المأسسة، وصمام أمان لحماية المؤسسات مهما كانت طبيعتها، بغرض تحقيق الرفاه والإنماء حيث يرتبط مفهومها ارتباطاً وثيقاً بالجوانب القانونية والمالية والمحاسبية والاقتصادية وصولاً الى منظومة القيم الاجتماعية والأعراف المستقرة.

إن حكومة الشركات مرتبطة تقليدياً بمشكلة العلاقة بين الأصل والوكيل حيث أن المستثمرين (الأصلاء) يوكلون المدراء (الوكلاء) لتشغيل الشركات بالنيابة عنهم. ولما كانت مصالح وأهداف المستثمرين والمدراء وأهدافهم قد تختلف، تسعى الحكومة الرشيدة الى وسائل جذب مصالح الطرفين في اتجاه واحد وضمان تشغيل الشركات لمصلحة المستثمرين. تشمل حكومة الشركات سبل إشراف مجلس الإدارة على إدارة الشركة، ومساءلة أعضاء مجلس الإدارة على إدارة الشركة، ومساءلة أعضاء مجلس الإدارة بدورهم أمام المساهمين والشركاء. كما توفر حكومة الشركات الهيكل الذي يجري من خلاله وضع أهداف الشركة وتحديد وسائل تحقيق تلك الأهداف ومراقبة الأداء. على الحوكمة الرشيدة للشركات توفير الحوافز المناسبة لمجلس الإدارة والإدارة التنفيذية، لتحقيق أهداف تخدم مصالح الشركة وأصحاب المصالح فيها، وينبغي الرصد الفعال للنتائج المرتقبة وتلك المحرزة، وبالتالي تشجيع الشركات على استخدام مواردها بشكل أكثر كفاءة.

ينطوي على حوكمة الشركات على بعدان إثنين: الامتثال والأداء. على هذا النحو، تهدف الحوكمة الرشيدة  للشركات الى التقليل من خطر الفشل والاحتيال من جهة، والى تحسين الأداء الاقتصادي، وتسهيل وصول الشركات الى رأس المال، وتحسين مناخ الاستثمار من جهة أخرى.

وبصرف النظر عن مفهوم الامتثال لحوكمة الشركات، أود أن أستكشف معكم اليوم العلاقة بين ممارسات الحوكمة والعالية والكفاءة التنظيمية. وبعبارة أخرى، إمكان أن تساهم الحوكمة في تحسين الأداء التنظيمي.

تزامناً مع انتشار رموز حوكمة الشركات، ظهرت مجموعة من سمات الحكم الرشيد كان يفترض بها أن تؤدي الى الأداء الجيّد. بلمحة سريعة على مستوى ممارسات مجلس الإدارة، أبرز سمات الحكم هي دور مجلس الإدارة في توفير التوجيه الاستراتيجي للإدارة والإشراف عليها، والفصل بين دور كل من رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي، ودور المديرين المستقلين، أي غير التنفيذيين، وحجم المجلس المناسب، واختيار المهارات والكفاءات المناسبة بين أعضاء مجلس الإدارة واستقلالية لجنة مراجعة الحسابات إضافة الى دور لجان المجلس الأخرى مثل الترشيح وتحديد الأجور، وتقييم فعالية أداء مجلس الإدارة. والربط بين مكافآت الرئيس التنفيذي والأداء، والشفافية في عملية التعيين ومدى كفاية التواصل مع المستثمرين.

على مستوى مراقبة بيئة العمل والعمليات، قد جرى التركيز على أطر إدارة المخاطر والممارسات، ووظيفة الرقابة الداخلية والتقارير المباشرة لرئيس التدقيق الداخلي للجنة مراجعة الحسابات، وإنشاء وظيفة الامتثال وممارسات التدقيق والمراجعة الخارجية للحسابات.

على مستوى الحماية والمعاملة المنصفة لحقوق المساهمين، فقد جرى التشديد على قدرة المساهمين على التصويت خلال الجمعية العامة، وتزويدهم المعلومات الكافية في الوقت المناسب، وقدرة المساهمين على المشاركة في أرباح الشركة والأخذ برأيهم في ما عنى المعاملات غير العادلة.

على مستوى الشفافية والإفصاح، جرى التشديد على الإفصاحات المالية وغير المالية والاعتماد الكامل للمعايير المحاسبة لإعداد التقارير المالية المعترف بها دولياً.

وقد أفادت الدراسات التجريية أن ما ورد من السمات “الصعبة” للحوكمة الرشيدة للشركات يمكن أن يؤثر جزئياً على التباين في أداء الشركات نظراً الى تعقيد العمليات التي لم تشملها في الأساليب الإحصائية والتفاعل بين متغيرات الحكم التي لا تقاس.

في حين أن العديد من تلك الصفات “الصعبة” للحوكمة الرشيدة قد تكون ضرورية لأداء تنظيمي جيد، فهي التأكيد ليست كافية، وعليه جرى تحديد عوامل حاسمة للأداء التنظيمي ــ عوامل الحوكمة “اللّينة” أو الديناميكيات السلوكية ــ خصوصاً على مستوى مجلس الإدارة. تشمل هذه العوامل “اللينة”:

1 ــ الوضوح في المسؤوليات والعلاقات بين كل من: الرئيس والرئيس التنفيذي لمجلس الإدارة والإدارة، والمديرين والمساهمين/ أصحاب المصلحة:

2 ــ إدارة العمل فريقاً واحداً.

3 – ثقافة لائقة والإفساح في المجال للمعارضة البنّاءة.

4 – المهارات المناسبة والكفاءات بما في ذلك المعرفة بطبيعة العمل (الصناعة / الخدمات).

5 – عملية توجيه جيدة والتدريب المستدام.

6 – المهارات القيادية للرئيس.

7 – تدفق المعلومات بشكل سلس وكامل.

8 ــ التقييم الدوري لأداء المجلس.

العلاقة بين السمات الصعبة للحكم مع الأداء التنظيمي تؤدي الى تحقيق بعد واحد. والتركيز فقط عليها قد لا يعكس مخاوف الحوكمة الملحة الأخرى. وبالتالي، نحن في حاجة الى إدراك أهمية العلاقة المتبادلة بين جميع عناصر الحوكمة. وهذه الخلاصة يمكن تعميمها على القطاع الخاص والعام.

المبادرات العامة والخاصة

أصبحت الحوكمة موضوعاً للنقاش الأكاديمي والبرامج الحكومية في جميع أنحاء العالم. وقد كرست الحكومات وواضعو السياسات والهيئات الناظمة جهداً وموارداً كبيرة في تطوير التشريعات والسياسات المتعلقة بالحكومة الرشيدة.

عمدت منظمة الشفافية الدولية الى تشجيع إنشاء هيئات رقابة مركزية لمكافحة الفساد، على المستوى المحلي والعالمي، من شأنها تعزيز الوعي العام والوقاية من الفساد. وملاحقة مرتكبيه واتخاذ الإجراءات الرادعة في حقهم، تمخضّت عن عمل هذه المنظمة خلال العقد الأخير مجموعة من أدوات وآليات ناجحة لمحاربة الفساد والتي جرى تكييفها وتطوير عملها لتتناسب مع طبيعة الحاجات على المستوى المحلي. نذكر منها اعتماد ميثاق النزاهة الذي يصف في بداية عملية طرح مناقصة أحد المشاريع، ضرورة إعلان الاتفاق بين صاحب التكليف والمكلف (أو المرشح)، حيث يقوم كل المشاركين بإلزام أنفسهم عدم تقديم أو قبول أي رشاوى ونشر كل المعلومات المتعلقة بعملية المناقصة. كذلك تم منع إجراء أي اتفاقات خفية بين مقدمي العروض، وتسريب معلومات سرية من ممثلي الجهة الطارحة للمناقصة الى مقدمي العروض. ومن لا يلتزم بهذه الشروط، تجري معاقبته بدفع غرامة مالية ووضع اسمه في قائمة سوداء، ولا يُسمح له بالمشاركة في عمليات المناقصة المستقبلية.

قد يطاول مفهوم الحوكمة قطاعاً أو بلداً أو حتى قارة كاملة. قطاعياً، في ألمانيا، أطلقت وزيرة الدولة في وزارة الخارجية في 28 كانون الثاني الماضي برنامجاً جديداً حول الديبلوماسية العامة والحوكمة الرشيدة. بهدف إعداد قيادات مستقبلية في ألمانيا ودول أخرى مشاركة في مجالي السياسة والإدارة.

وفي تونس، جرى توقيع إتقاق تعاون ببين وزارة حقوق الإنسان والعدالة الإنتقالية ومركز جنيف للرقابة الديموقراطية في 16 نيسان الفائت بهدف تدعيم الحوكمة الرشيدة في قطاع الأمن عبر ترسيخ مبادئ حقوق الإنسان وتأكيد ممارستها في المنظومة الأمنية ومنظومة إعادة التأهيل. كما إتخذت مبادرات مشابهة في مجالات الأوقاف الإسلامية والتعليم الجامعي.

وفي السنغال، جرى تجديد 25 مدرسة متوسطة و تحسين جودة المناهج وتدريب المعلمين والمشرفين ورفع الوعي لتدعيم عملية التعليم وحفز ثقافة الإدارة الرشيدة للشباب والمجتمع المحلي على حد سواء.

في القطاع المصرفي، تلتزم المصارف المركزية بشكل أساسي بمعايير كفاية رأس المال وتحديد حجم ومجل نشاط المصارف ومجالها، ونسبتي السيولة والاحتياط الإلزامي وتصنيف الأصول وتحديد المخصصات المناسبة لكل فئة منها. إضافة الى تحديد معايير تركيز الإقراض لعميل واحد والإقراض للأطراف المرتبطة والأطراف ذات الصلة.

وتأكيداً على شمولية مفهوم الحوكمة، ننتقل الى صعيد الرياضة العالمية، حيث قام رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم الذي هزته فضائح فسائد ضخمة الصيف الماضي، باستحداث لجنة للحوكمة الرشيدة في المنظمة الدولية لتراقب ما إذا كانت الإصلاحات التي طلبتها الجمعية العمومية في حزيران الماضي، خصوصاً في ما يتعلق بالشفافية وسياسة عدم التسامح ضد الفساد، في طور التقدم.

كما اعتمدت بعض الحكومات مفهوم التخطيط الاستراتيجي كأحد الركائز الأساسية والمتأصلة في عمل الجهات الحكومية المستمد من رؤية القيادة الرشيدة ضمن إطار زمني واضح ومؤشرات قياس دقيقة. نذكر منها استراتيجية حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة للعام 2011 ـــ 2013 المبنية على الأولوية الوطنية الثابتة “المواطن أولاً وثالثاً”، حيث تأتي التشريعات والقوانين والمراسيم والقرارات لخدمة المواطن وتطوير قدراته عبر إدارة الموارد بكفاءة وشفافية.

فيما وضعت حكومات أخرى استراتيجية وطنية لمكافحة الفساد. كالأردن على سبيل المثال، غايتها الرئيسية تقليل الفرص المتاحة لممارسته من خلال إيجاد إطار عمل إداري وقانوني متطور وفاعل للقطاعين العام والخاص، كما تهدف الى زيادة فاعلية الجهات المكلفة بمكافحة الفساد والوقاية منه وتعزيز ثقة المواطنين بالمؤسسات الدولة.

في تونس أيضاً تم تأسيس هيئة وطنية للحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد في آذار الماضي. تساهم هذه الهيئة في سياسات الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد وضمان الشفافية ومتابعة تنفيذها ونشر ثقافتها كما تتولى كشف حالات الفساد في القطاعين العام والخاص والتحقيق فيها وإحالتها على الجهات المعنية. وتبدي الهيئة رأيها في مشاريع النصوص القانونية ذات العلاقة بالفساد وتتكون الهيئة من شخصيات نزيهة مستقلة من ذوي الكفاءة.

على المستوى القاري، عقد مؤتمر دولي في جوهانسبرغ في جنوب أفريقيا في 28 شباط الماضي تحت عنوان الحوكمة الرشيدة نظّمه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالتعاون مع البرلمان الإفريقي. طرحت خلال المؤتمر أجندة التنمية في أفريقيا 1015 وناقشت التحويلات الإقتصادية والمشكلات الصحية والعقوبات الإدارية والإستعمار الجاثم في بعض دول القارة ومتطلبات التعليم وتدعيم الملكية الوطنية والتمثيل السياسي. وخلصوا الى أن الحوكمة الرشيدة تشكل الرؤية الحقيقية الفعالة في أفريقيا ونقطة إنطلاق للحصول على أهداف الألفية الإنمائية.

وقبل الفقرة الختامية، أود أن أعرض لكم تجربة التعيينات الإدارية في المؤسسات العامة في لبنان. انطلاقاً من آلية التعيين التي أقرت بموجب المحضر 28  في جلسة مجلس الوزراء المنعقدة في 12 نيسان 2012 (للتفصيل الشفهي عمل اللجنة / المعايير المعتمدة لتقييم المرشحين بمراحلها الأربعة من داخل الملاك الإداري العام أم من خارجه / طبيعة عمل فرق الدعم المختصة في وزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية ومجلس الخدمة المدنية وصولا الى إختيارها ورفعها الى مجلس الوزراء بواسطة الوزير المعني).

إن التحولات العربية التي نشهدها منذ عامين قد ألقت الضوء على أن منطقة الشرق الأوسط ترزح تحت أعباء أنظمة إدارة ضعيفة ومتدهورة، وفساد مستشر في أعماق البنى التحتية السياسية والمؤسسية للقطاع العام، مما أودى بمعدلات نمو متفاوتة بين مختلف الفئات السكانية داخل البلد الواحد وبين البلدان المختلفة، إضافة إلى ضعف السياسات الاجتماعية. هنا تكمن الحاجة الى مكافحة الفساد وتجفيف منابعه والوقاية منه وترسيخ ثقة المواطنين بالمؤسسات الوطنية بحيث لا يشكل عقبة أمام اقتصاد السوق الحر وأمام الحاكمية الرشيدة في البلاد.

إن مسيرة التقدم نحو تحسين الحوكمة على المستوى العام وعلى مستوى الشركات، لا بد من أن تمضي إليها الشعوب، لكن لا يمكن التقليل منها بغية ضمان تحقيق الأهداف. فالتجربة التاريخية للبلدان التي تحولت من الانظمة الاستبدادية إلى الديموقراطية في جميع أنحاء العالم، تشير بالتغيير المؤسسي، حقيقيا”، لافتا الى أن مثل هذا التحول هو منذ زمن طويل يتطلب التزاما بالتمسك بثقافة الحوكمة الرشيدة والمثابرة على تطبيقها.