اخبار
الرئيسية > لبنان > رمّمه وجهزه رجل الاعمال عاطف ياسين… افتتاح بيت النبطية التراثي: “بيت الزمن الجميل” برعاية الشيخ صادق

رمّمه وجهزه رجل الاعمال عاطف ياسين… افتتاح بيت النبطية التراثي: “بيت الزمن الجميل” برعاية الشيخ صادق

تحوّل حفل افتتاح بيت النبطية التراثي، “بيت الزمن الجميل” في مدينة النبطية الى تظاهرة شعبية تراثية فنية وجمالية، بل الى حدث استثنائي كان مطلوباً لطي صفحة المشهد الانتخابي التنافسي الذي طغى على عداه، وحوّل المدينة كما غيرها من المدن والبلدات الى غابة من الصور واللافتات والشعارات، وغيّبها لبعض الوقت عن واقعها العلمي والأدبي، وعن أصالتها وعراقتها المتجذرة في نفوس أبنائها ورجالاتها العظام من الناجحين في مجالات العلم والإبداع والاقتصاد والمال والأعمال.

حسناً فعل النادي الحسيني ومنظمو الحفل عندما اختاروا الزمان الصح والمكان الصح والحدث الصح الذي أعاد النبطية الى صورتها البهية وحقيقتها الساطعة وتألقها الدائم، من بوابة التراث الواسعة التي حاكت التاريخ والماضي المجيد والحاضر المشرق وتشرعها أمام القلوب المفتوحة والعقول النيرة المبدعة على آفاق مستقبلية أكثر إشراقاً وتطوراً.

ولا يخفى أن للتاريخ صنّاعه ورجالاته وحراسه وللتراث أهله الذين يقدرون أهميته والحاجة إليه لمواجهة التصحر الثقافي السائد في عالم اليوم.

والحق يقال أن رجل الأعمال ابن النبطية البار الأستاذ عاطف ياسين، هو من هؤلاء الرجال الرجال الذين أرادوا لمدينة العلم والعلماء أن تبقى منارة مشعة وشعلة مضاءة لا تنطفئ، وأن يبقى تراثها كما ذاكرة أجيالها المتعاقبة شواهد حيّة وعصيّة على كل من يريد طمسها أو تحويلها الى مجرد أحجار أو مهن أو حرف جامدة لا قيمة لها. أراد لها أن تنطق بالأمجاد وتتغنى بنتاج حقبات مميزة وسيمفونية متواصلة تعشقها الأذن وتبهر اليها العين وتأنس بها العقول. وتتناقلها ألسنة الحق بكل فخر واعتزاز وثقة بالذين كافحوا وجاهدوا وصبروا على صناعة تاريخ النبطية الذي ما زلنا نشهد كما الآخرين على الإرث الكبير المتوارث أباً عن جد.

عاطف ياسين بادر من تلقاء نفسه الى جمع تراث النبطانيين والجنوبيين وحفظه وصونه، حتى لا يضيع أو يتلف أو يفقد قيمته التاريخية وتعب صناعه وحرفيته الذين أبدعوا في تلك الأزمنة، وارتسمت على جباههم ووجوههم تداعيات التعب ومسارات الشقاء، وعلى أكفهم حكايات ذاك الزمن الجميل رغم المرارة وقساوة الظروف. وهو أدرك بأصالة انتمائه وتجذره بأرضه وعشقه لمدينته واحترامه للأوائل من أبناء النبطية أن التاريخ والتراث والحكايات الموروثة يجب أن تحمي وتُصان، وقد ترجم إدراكه وحوّل جزءاً من دارته العامرة في النبطية الى ملاذ آمن للموروثات اليدوية والحرفية والفنية التي صنعتها أيادٍ مجبولة بالعرق وتعب السنين.

ومن أجل استكمال مشهد هذا الزمن الجميل الذي لا يمكن أن تطوي صفحاته النسيان والإهمال والموت البطيء أو تجرفه مساحات الباطون وتجار العقارات والأبنية المدنية الحديثة، أقدم بخلفياته الثقافية والرسالية وحبه للتراث والحافظ على كل ما هو جميل ويضفي جمالاً وألقاً على مدينته الفاضلة المحببة الى قلبه، القريبة إليه كقرب الرمش من العين الى ترميم بيت من بيوتات النبطية التراثي الذي يجب أن يظل شامخاً ومتعملقاً وشاهداً على جمالية المدينة وروعتها. وقد تحوّل بعد إنجاز ترميمه الى بيت النبطية التراثي، بيت الزمن الجميل الذي سيكون واحة غنّاء، ومتحفاً لمقتنيات أثرية تراثية موروثة، تعلق على جدرانه الحجرية الناطقة صوراً لأعلام كبار من النبطية تحكي سيرتهم وعطاءاتهم لينهل منها الأجيال وتحفظها في ذاكرتها كرموز وتقتدي بها لاستكمال مشوار العلم والأدب والثقافة والفن.

ويكفي للدلالة على مكرمة ومأثرة عاطف ياسين الطيبة ما قاله إمام مدينة النبطية العلامة الشيخ عبد الحسين صادق في كلمته الرعائية التوجيهية لحفل افتتاح بيت الزمن الجميل:

“وما المشروع الذي نحتفل اليوم بإطلاقه إلا خطوة في اتجاه حفظ التراث ونفض الغبار عن ذاكرة مدينة وتاريخها الزاخر بقيمه وجمالياته. وقد شاطرنا شغفنا بإنجازه والإيمان بأهميته رجل الخير العاشق لتراثه، ربيب البيئة الجنوبية الأصيلة الأستاذ عاطف ياسين الذي رمم البيت وجهزه بكل المستلزمات ومنها القطع الأثرية الذي يشكلها ويشكل جزءاً مهماً من اهتماماته.

وتكفي أيضاً اللوحة التذكارية المثبتة وسط البيت التراثي التي تؤرخ لزمن الافتتاح وتشكر المساهمين في إحياء التراث ومنهم عاطف ياسين الذي ساهم بترميم هذا البيت الجنوبي التراثي.

عاطف ياسين بك يفتخر لبنان والجنوب والنبطية

حفل الافتتاح

وكان العلامة صادق قد رعى حفل افتتاح البيت التراثي في حضور النائب ياسين جابر والنائب الأول لرئيس المجلس القاري الافريقي رجل الأعمال والخير عاطف ياسين وحشد من الشخصيات والفعاليات من  أبناء النبطية والجوار، الذي بدأ بتلاوة آيات بينات من القرآن الكريم وبتقديم من السيد علي قرنميش. ثم كلمة الراعي الشيخ صادق هذا نصها:

“الى الزمن الجميل، الذي يعيش عميقاً في حنايا القلوب. نُخف الخطى.. الى صباحات حقوله المتوضئة بحبات الندى، وأمسيات حواكيره الملتحفة بنور القمر.. الى أسطح القرميد المشكوكة في حاراتنا ياقوتاً يرصع فساتينها الخضر.. الى حقول التبغ وفوانيس الشغيلة ومواويلهم عند السحر.. الى بيادر القمح وموسم الحصاد، ومتعة الدوران بالمورج فوق الحقول الذهبية.. الى كروم العنب والتين سبقت أناملنا الى حباتها الناضجة و”كيزانها” مناقير الدواري والبلابل.. الى صاج الصباح و”فطيرة” السكّر تُتحف بها الجدّة صغار البيت وتفوح رائحتها الشهية.. الى ازقة الحي القديم (حي السراي) التي أودعناها حبنا وشقاواتنا وصبانا فأودعتنا طيبتها وأصالتها وشعبيتها.

الى تلك الأيام نخفّ الخطى.. نقفز على أسطح بيوتاتها المتلاصقة، نلملم منها حكايا الطيبة والمحبة وحسن الجوار، ونقرأ من أكف فلاحيها قصص التعلق بالأرض والتراب.. نمشي على درب العين تعترض طريقها “القادومية” مرة وأخرى قطعان الماعز.. تتمايل الجرار على الأكتاف مع مزامير الرعاة الحزينة لتشي لك “الدفلى” هناك بوشوشات العفاف والحياء..

الى أيام الأمس الوادعة نلوذ بدفئها وأُنسها من وجع اليوم، نستسقي قيمها وأعرافها لنبلّ جفاف الحاضر شطر حكاياها نيمّم ذاكرتنا علّنا نستخلص منها عبراً لإخفاقات اليوم.

نخفّ إليها الخُطى: لا رجعية ولا هروباً من مواجهة الواقع ولا تراخياً عن طلب الجديد علماً ومعرفة، بل انتصاراً للمعاني الإنسانية التي زخرت بها تلك الأيام، وثقة بقيمها السامية التي ميّزتها: نواجه بها الآتي محصّنين بأخلاقها ونرسم المستقبل على ضوء آدابها..

نخفّ الخطى إليها وفاء لذكرى الآباء الذين وهبونا هويتنا وانتماءنا وصبّوا عَرَقهم في قناديل أعمارنا فأناروا لنا الدرب الى التحرير والعزة..

حيال كل ما تقدم، ننتصر للتراث ونُوليه العناية والاهتمام.. فإنه مزيج منسجم من حبّ الله والوطن.. فعن الحبيب المصطفى “من الايمان حب الأوطان”.

وهذا عليّ عليه السلام، يلامس القلوب بقوله: “من كرم المرء بكاؤه على ما مضى من زمانه وحنينه الى أوطانه وحفظه قديم إخوانه>. فالتعلق بالماضي كرم والحنين الى الاوطان رفعة وحفظ قديم الإخوان من شيم الكرام.

وما المشروع الذي نحتفل اليوم بإطلاقه، إلا خطوة في اتجاه حفظ التراث ونفض الغبار عن ذاكرة مدينتنا وتاريخها الزاخر بقيمه وجمالاته.. شاطرنا شغفنا بإنجازه والإيمان بأهميّته رجل الخير العاشق لتراثه ربيب البيئة الجنوبية الأصيلة، الحاج عاطف ياسين سلّمه الله.. وكذلك الأعزة الكرام الذين بادروا الى شراء العقار القائم عليه هذا المشروع.

خرج هذا المعلم الى النور بحمد الله، صدارة اهتماماته – الى جانب ارتفاعه وسط المدينة لوحة تراثية زاهية – هي ثقافة التراث ينظم، ويستضيف، ويراعى أنشطتها الأدبية والتربوية المتنوعة، ويضمّ تحت قرميده قطعاً ومقتنيات مختلفة تحكي حياة الامس وصوراً لأعلام ورجالات المدينة وجبل عامل مذيّلة بتراجم موجزة وفاء لذكراهم وعرفاناً بجميل ما قدموا، وهي في جانب منها دروس بليغة تفيد منها أجيالنا وتعتز.

ينضم هذا المعلم الجميل الواعد الى منظومة اللجان والخدمات الاجتماعية المختلفة التي يرعاها ناديكم الحسيني المبارك، كلجنة عاشوراء، ومكتب المساعدات، وإسعاف النبطية، وهيئة المواساة، والكشافة، وغيرها في تجربته النزيهة البيضاء لخدمة اجتماعية شاملة يحثه عليها الشرع والضمير ما أتاحت له الظروف ذلك، بعيدة، وعن إيمان راسخ، عن النشاط السياسي أياً كان لونه، مؤيدة بل ومقدسة قيم الحياة الحرة الكريمة، وإن دخلت – ربما – تحت عناوين سياسية كالمقاومة والصمود ووحدة الكلمة واحترام الآخر ورأيه، ورفض الفساد بشتى ألوانه، ونزعة الخصومة والكيدية والاستعلاء!

ولكي ينهض هذا المعلم بمهمّته المرجوّة، ولا يكون كلاً على المعونة والتبرّع، وُضع في الحسبان تصور لضيافة رزينة مدروسة من شأنها تلطيف زيارة الوافدين الى البيت، تؤمن، لو نجحت، ريعاً يمكّن المعلم من أداء مهمته والاستمرار في تقديم خدمته لأهله ومجتمعه”.

وأضاف: “لقد وعتْ الشعوب والبلدان المتقدمة أهمية تراثها فحفظت معالمه وكرّمت أعلامه، فهذي بريطانيا – على سبيل المثال – ترعى بعين ساهرة منذ القرن السادس عشر الى اليوم بيت عبقريتها “شكسبير” في “سترانفورد” ومحتوياته ومسرحه الشهير خلف بيته، كما كان، يتدفق لمشاهدته ملايين السياح كل عام.

وهذي فرنسا تصون حيها اللاتيني بزقاقه وجدرانه القديمة منذ قرون، وجعلت من بيت رسامها الانطباعي الشهير “دينوار” متحفاً يرتاده الزوار على مدار العام بين الكثير من معالمها التراثية، تحافظ عليها كنوزاً لا تثمّن، إحداها كاتدرائية نوتردام الشهيرة، بات يحتفل الفرنسيون بها سنوياً منذ عام 1944 بالنصر اعتزازاً بتاريخها، والأمثلة في دول أوروبا لا حصر لها في هذا المجال.

انتشال هذا البيت من الاندثار والموت المحتّم، شأن غالب بيوتنا الماضية – أسفاً – وارتفاع هامته في سماء النبطية عادت إليه الحياة يرسم الجمال في شتى جوانبه، والجدران، لوحات ولوحات، ليشكّل بادرة حضارية رائدة تثير – دونما شك – في النفوس مشاعر الغبطة العارمة والاعتزاز…

وإنها لأمسية فريدة يلتقي فيها الماضي والحاضر بمشهد ساحر أخاذ.. لكأني في امسيتنا هذه بقامات العلم والأدب والنبوغ: عبقري مدينتنا الصبّاح، ومؤرّخها صفا آل جابر وعلامتيها ضاهر ورضا، ونابغة الطب والأدب الدكتور علي بدر الدين، والدكتور بهجت الميرزا والغفري، وبكوكبة الحجاج الطيبين كبار القدر جميلي الخلق: الحاج محمد علي حمادة (المختار) الحاج فريد فران، والحاج موسى صبّاح، والحاج حيدر شميساني، والحاج حسن كمال والسيد محمد حيدر بخدود والحاج درويش كلوت، والسيد صبحي بدر الدين، قد استماحوا عذراً منازل برزخهم وخفّوا للقاء الأحفاد وأبناء الأحفاد مُلبّين دعوة الحاج حسن حمدان صاحب هذا البيت، رئيس بلدية مدينتهم الأول، يستخفونهم السؤال عن حياتهم وسائر شؤونهم مكبرين صمودهم وتضحياتهم وانتصاراتهم الشامخة ضد اسرائيل والإرهابيين، ويدعونهم الى مزيد من التلاقي والتلاحم ورسم طريق المستقبل بوعي وتجرّد وأن يغتنموا فرصة العمر لإعمار بيوت البرزخ برعاية حقوق الله وحقوق الناس، قد هُرع الأحفاد بدورهم، وأبناءهم، لهذا اللقاء بتوق وشغف، استقل بعضهم اطنبلات الزمن الجميل وحتى الحنتور إمعاناً بإبراز حبهم وشغفهم باللقاء، يحيونهم يعانقونهم مشيدين بسفر العلم والأدب الثمين الذي تركوه ولأجيال مدينتهم على مرّ الزمان.

والنبطية في هذه الأمسية تلتقط واحدة من أجمل وأزهى وأندر الصور لأبنائها: صورة ستبقى خالدة تعزز مرّ العصور وتحثّ أجيالها على دوام التلاقي والتفاعل بين الماضي والحاضر، فالماضي مقلاع غني لا قرار له، يثري الحاضر دوماً بالدروس والقيم والتجارب والأصالة..

حُبي وألفُ تحيّتي أهديك يا نبطيّي

أهدي لها حبّاً سرى في مهجتي وسريرتي

وَهَمى كأنسام الصباح على جفون الوردة

أنا في هواك مُدنّفٌ شوقي يغالب لهفتي

فالحبّ يبقى والوفاء مدى حياتي شيمتي”.

وبعد تقديم مسرحية زمن الأوفياء للفنان حسين شكرون، رفع صادق وجابر وياسين الستارة عن اللوحة التذكارية التي تؤرخ لزمن الافتتاح، وتشكر المساهمين في إحياء التراث ومنهم السيد عاطف ياسين الذي ساهم بترميم “هذا البيت الجنوبي” والنائب جابر والسادة: رباح جابر، علي محمد سعيد صباح، جهاد نحلة وأحمد حرب الذين ساهموا في شراء العقار القائم عليه المشروع.

ثم جالوا على أقسام البيت ومحتوياته التراثية والفنية والتاريخية.