اخبار
الرئيسية > مقالات > من ألقابه النابغة وأبو الفقراء : الدكتور علي بدر الدين استقال من المجلس النيابي عام 1953

من ألقابه النابغة وأبو الفقراء : الدكتور علي بدر الدين استقال من المجلس النيابي عام 1953

 علي بدر الدين

 للحديث عن الدكتور علي بدر الدين المتوفي في العام 1986، أسبابه وظروفه وخصوصياته، التي فرضتها مناسبة وضع حجر الأساس لبناء المركز الثقافي البلدي الذي يحمل اسمه في مدينته النبطية التي عشقها وأحبها حتى الثمالة، وشهدت على مآثره الإنسانية الطيبة، وكانت مصدر إبداعاته ونجاحاته وإنجازاته النوعية المخلّدة في عقول الجنوبيين والنباطيين ووجدانهم الذين لا زالوا يذكرون تفانيه وتضحياته وخدماته في مختلف المجالات، وهو طبيب الفقراء بامتياز الشاعر والأديب المبدع والخلاق والسياسي الحرّ المتحرر من كل الضغوط السياسية الضيقة والملتبسة في آن، وكان رفيق الطبقات الشعرية وصديقها التي تأنس بحديثه، ويأنس بوجودها معه في جلسات الشاي في الساحات والمقاهي الشعبية في النبطية وهو الوطني المسؤول الذي لم يتخلَ يوماً عن مسؤولياته وواجبه تجاه وطنه وأهله، وله مواقف مشهودة عبّر عنها في أكثر من محفل ومناسبة وقد برز كناشط سياسي وثائر ومناضل ضد الجيوش الأجنبية ومناصراً عنيداً لحركات التحرر الوطنية والقومية آنذاك، وبعد نيله شهادتي الطب والجراحة والصيدلة بتفوق من الجامعة الأميركية في بيرووت عام 1938، آثر البقاء في وطنه الى جانب الناس. رافضاً بشدة المراكز الاكاديمية الهامة التي عرضت عليه في أميركا مع إغراءات لا يمكن رفضها.

كان شغوفاً في القراءة ومجالسة كبار الأدباء والشعراء، وقد برز نبوغه وتفوقه وعشقه للأدب والشعر منذ طفولته، لاسيما انه نشأ وترعرع في بيئة أدبية وثقافية عريقة، وكان شاهداً متنوراً يقظاً حاضراً بذهنه المتوقد جلسات أهل الفكر والعلم ومنتديات الشعراء والعامليين، وقد حوّل لاحقاً على مدى خمسة عقود عيادتيه وبيته في النبطية وبيروت الى مجالس أدبية ومنتديات فكرية مفتوحة  كانت قبلة وموئلاً وملاذاً للكبار من العلماء والأدباء والشعراء من اللبنانيين والعرب، ومنهم شكيب أرسلان، بدوي الجبل، وإبراهيم طوقان، ميخائيل نعيمة، عمر أبو ريشة وأحمد الصافي النجفي وغيرهم من الذين طارت شهرتهم في عالم الثقافة والأدب والشعر والإبداع.

خاض الدكتور علي بدر الدين معترك العمل السياسي بفطرته السليمة وضميره الحي وهو الذي عاصر أعتى النظم وأقسى المراحل، وكان شاهداً على الحربين العالميتين الأولى والثانية، وقد عانى من ظلم الاحتلال التركي وفساد الانتداب الفرنسي وتألم لضياع فلسطين، وغضب لتشرذم العرب، فامتشق قلمه وعارض وانتفض واستنهض الهمم لجمع الشمل ومواجهة الظلم وأخطار الاحتلال الاسرائيلي، تقربت منه أحزاب وتيارات سياسية وليدة آنذاك، فأثراها بنصائحه وإرشاداته دون الانخراط فيها، واحترم تعدديتها وتنوعها ما دامت وطنية تراعي مصلحة لبنان، وبناءً على طلب أهالي منطقته وأصدقائه ومحبيه، ترشح للانتخابات النيابية عام 1947 وفاز فيها، غير ان ظروف الحكم يومذاك حالت دون دخوله الندوة النيابية، فكتب ناعياً الديموقراطية في ظل الفساد المستشري وأعاد الترشيح الى الانتخابات النيابية عام 1951 وفاز فيها معتبراً أن وكالة الشعب له تكليفاً وليست تشريفاً، ولكنه قدم استقالته من المجلس النيابي بعد سنتين 1953 وقد شكلت سابقة في تاريخ المجلس احتجاجاً منه على استشراء الفساد وتسلط المال وانهيار القيم والأخلاق في العمل السياسي وضعف الدولة، فانسحب لعدم قدرته على التغيير، وألحق استقالته بقول مأثور ان “كرامة بلا نيابة خير من نيابة بلا كرامة”.

فأين نوابنا سابقاً وحاضراً أو معظمهم على الأقل من هذا الموقف غير المسبوق في تاريخ المجلس النيابي وهم المنغمسون في نفاق السياسة وخداع الناس، والعجز عن قول الحقيقة أو الوقوف في وجه سلطان جائر أو فساد مستشرٍ أو سياسة ملتوية.

وبدل أن ينتفضوا ويترجموا وكالة الشعب لهم. مددوا لأنفسهم وطمسوا الديموقراطية وفصلوا قانون الانتخاب على قياس كل فريق أو طائفة أو مذهب، ومن أقواله أيضاً “لبنان المتفرّد بتنوّعه وتعدديته كطائر يطير بجناحيه الإسلام والمسيحية”، فلا يكون المسلم مسلماً حتى يكون مسيحياً ولا يكون المسيحي مسيحياً حتى يكون مسلماً”.

الدكتور علي بدر الدين صمد في مدينته النبطية وتشبث بأرضها واحتضن أهلها فلم يفارقها أو يغادرها وقد دمّرت اسرائيل في عدوانها على الجنوب عيادته ومنزله أكثر من مرة، وقال قصيدته الشهيرة عن الجنوب.

يا قومُ في أرض الجنوب أكارمٌ حنفاء أهل عقيدة كرّامُ

انهض وكن مستيقظاً متنبهاً لا يخدعنّك طامعُ نهّامُ

أجهد وجاهد ما استطعت مناضلاً بسبيل حقك فالحياة مهامُ

هيا الى السرطان واستئصاله ليس الدواء تمائمٌ وكلامُ

يا قومُ، إنّ من الجنوب مخاطراً قد تقعد الدنيا لها وتُقام

من الألقاب التي اشتهر بها في الصحافة وبين الناس: النابغة، أبو الفقراء، سيّد الفصحى، سلطان المنابر وبديع زمان عصره.

وقد جمع الأستاذ الجامعي الراحل الدكتور حسن نور الدين بعض قصائده وخطبه ومقالاته في كتابين: “د. علي بدر الدين شاعراً، ود. علي بدر الدين أديباً وسياسياً، وخلدته مدينة النبطية ومنطقتها بإطلاق مشروع إعداد سيرة حياته وطباعة مؤلفاته وأطلقت جائزة د. علي بدر الدين الثقافية، وهو الذي يكافئ المتفوقين بالعلم بكتاب قيّم وسبّحه ثمينة، ظلت تقليداً لديه حتى وفاته.

كما أعلنت لجنة التخليد عن مشروع الدكتور علي بدر الدين الثقافي والاجتماعي الصحي. وفي العام 2012 تم إطلاق مؤسسة تحمل اسمه للعمل الخيري والإنساني، ومؤخراً وضعت بلدية النبطية والمؤسسة حجر الأساس لبناء المركز الثقافي البلدي مجمع الدكتور علي بدر الدين.

ومؤلفاته: الألفية (ملحمة شعرية)، تدون لحرب لبنان واحتلال الجنوب على هامش الفتنة “خواطر الصبا”، “شعر ونثر”، عشرات الخطب في الأدب العاشورائي، مئات المقالات في الأدب السياسي والاجتماعي (الصحافة) ديوان المرئيات، محاضرات، قصص ونوادر شعبية ورسائل ذات طابع أدبي وقيمة تاريخية لدى الأصدقاء.

توفي الدكتور علي بدر الدين في العام 1986 بعد صراع مع المرض وقد رثته كريمته الدكتورة والشاعرة لانا.

علمٌ سيبقى للهداة في الورى ما دام في الجوزاء بدر يسطع

كما رثاه وبكاه كتّاب وشعراء وأصدقاء.

هذا غيض من فيض الراحل القيمي والأخلاقي والإنساني والنبوغي والأدبي والشعري، والإصلاحي، ما أحوجنا في لبنان الى مثله ومبادئه والاتعاظ من تجربته السياسية والإصلاحية ومواقفه الرافضة للانحلال السياسي وللفساد المستشري وقد ترجمها باستقالته من المجلس النيابي في موقف غير مسبوق في تاريخ المجلس.

فهل نشهد موقفاً شبيهاً بعد 62 عاماً يشكل صرخة مدوية رافضة ومعترضة على سياسة الانغماس في المصالح والطوائف والمذاهب وإيصال لبنان الى أقصى حدود الهاوية، أم أن إجماع الأفرقاء على التمديد للمجلس النيابي أضاع الفرصة والديموقراطية وحاضر لبنان ومستقبله، ولأن المقعد النيابي أغلى بكثير من مصلحة الوطن والمواطن على قاعدة “ومن بعدي الطوفان” أو “بعد حماري ما ينبت حشيش”.