اخبار
الرئيسية > مقالات > التمديد لمجلس النواب: نعمة أم نقمة؟

التمديد لمجلس النواب: نعمة أم نقمة؟

علي بدر الدين

علي بدرالدين

علي بدرالدين

لم يكن التمديد لمجلس النواب سبعة عشر شهراً، فعلاً مفاجئاً أو قراراً غير متوقع من اللبنانيين على اختلاف طوائفهم وتوجهاتهم ومواقعهم في السلُّم السياسي والاقتصادي والاجتماعي، لأن “السيناريوهات” التي اعمدها الأفرقاء السياسيون في لبنان وسرعة تبدّل طروحاتها ومواقفها من قوانين الانتخاب العديدة التي جرى عرضها، أوحت بما لا يدع مجالاً للشك أن الاتجاه يميل بوضوح وصراحة الى اعتماد خيار التمديد لنواب الأمة، على أساس قانون الستين الذي فرض هيبته على الجميع ولم يقدروا على تجاوزه، أو الخروج عنه، لأنهم انتخبوا وولدوا نواباً من رحمه. وعجزت كل مشاريع القوانين المعروضة “في سوق عكاظ” المزايدات الانتخابية عن زحزحته أو إخراجه من حلبة الصراع الدائر بين المعنيين بالملف الانتخابي. ولم يشبع نهمهم قانون فؤاد بطرس، أو قانون وزير الداخلية العميد مروان شربل، ولا القانون الأرثوذكسي ولا القانون المختلط ولا حتى القانون الذي يعتمد لبنان كدائرة واحدة مع النسبية لسبب وجيه أنها لا تلبي رغبات مصالح أمراء السياسة والطوائف والمذاهب.

وتحوّلت هذه القوانين المرفوضة منهم جملة وتفصيلاً الى حقل مزروع بالالغام أو قنابل موقوتة قد تصيب البعض منهم وقد يسلم منها البعض الآخر. لأن همهم الوحيد هوالمكاسب التي يمكن تحصيلها من هذا القانون أو ذاك. من دون النظر أو الاعتبار لمصلحة الوطن وخيار المواطنين في اختيار المرشح الذين يرون أو يعتقدون أنه خير من سيمثلهم في البرلمان ويعكس تطلعاتهم وطموحاتهم في الندوة البرلمانية.

ومن مبررات اللجوء الى التمديد الذي وصفه البعض “بأنه أبغض الحلال” وأنه مكره على السير به والدخول في “جنته” على قاعدة مقولة “مكره آخاك لا بطل” أن الانقسام السياسي والطائفي والمذهبي الأفقي والعمودي الذ يمر به الوطن، لا يسمح بإجراء الانتخابات النيابية خشية من إدخال البلاد والعباد في المصير المجهول، كما أن الأوضاع الأمنية التي تشهدها مناطق عديدة هي عائق كبير وخطير لا يمكن تجاهله أو الاستخفاف بما يحصل لأن تداعياتها ستحول البلد الى “ساحة حرب” لا يقدر أحد على تحمل نتائجها لعدم القدرة على منعها أو الحؤول دون ضبطها في ظل الفلتان والفوضى واحتدام الصراع الذي بلغ حداً غير مسبوق في تاريخ الأزمات اللبنانية المتعاقبة التي يبدو أنها لن تنتهي.

قد توافق المبررات السياسية والطائفية والأمنية التي أدرجت في سياق التمهيد للتمديد، ولكننا غير مقتنعين أنها جاءت من عدم أو فراغ أو نزلت على اللبنانيين “بالباراشوت” بل لا أسسها وأسبابها ومؤشراتها التي دفعت “بالقوة القاهرة” الى اتخاذ قرار التمديد بإجماع نيابي (97 نائباً)، لم يحظ بمثله أي مشروع قانون يكون لمصلحة لبنان واللبنانيين، ولا عجب في ذلك، فإن النواب العاطل بعضهم عن العمل والفاقد الأهلية المسؤولية والذي لم يرهم أو يسمع بهم أحد، حتى الذين منحوهم أصواتهم وثقتهم، يريدون زيادة رواتبهم وشمولهم بسلسلة الرتب والرواتب، فالأولى بهم أن يصوّتوا لقرار يمدّد لهم، لأنهم على يقين بأن عودتهم الى قاعة البرلمان ستكون صعبة ومستحيلة.

مَن يتحمّل المسؤولية عن الأزمات في لبنان، أليست هي الطبقة السياسية التي تتصارع على المصالح والمكاسب، والتي اعتمدت الخطاب الطائفي المذهبي التحريضي الذي أدى الى حال الاحتقان بين اللبنانيين ودفعهم الى الاصطفافات غير الوطنية وإقامة الحواجز بين الطوائف والمناطق، ودفعت باللبنانيين الى اختيار غريزتهم وطوائفهم من دون وعي أو مراعاة لأبسط حقوق الوطن على أبنائه، حيث تحولوا أو معظمهم الى مجرد “دمى” تحرّكهم أصابع معلنة أو خفية، واعقتدوا أن الطائفة وحدها تحميهم من الآخر وغدرات الزمانز. فوقعوا في الأفخاخ المنصوبة لهم وباتوا بلا قوة أو حيلة أو قرار.

هنيئاً للبنان بنوابه المدّد لهم طوعاً أو قسراً، وللبنانيين الذين ينامون ملء جفونهم بعد أن اطمأنوا الى مستقبل من انتخبوا وفق قانون الستين الذي يدّعي الجميع زوراً أنهم ضده شكلاً ومضموناً، ولكنهم ارتضوا به بديلاً عن كل القوانين الأخرى لأنه قدم لهم 17 شهراً إضافياً في السلطة التشريعية، ما كان البعض ليحلم بهذه النعمة التي حظي بها وكانت عليهم برداً وسلاماً.

ويمكن أن نسجل للتاريخ أن الدقائق القليلة التي كانت كافية للموافقة على قرار التمديد كانت مهمة للغاية لأنها قد تدخل لبنان والمجلس النيابي في كتاب “غينيس” للأرقام القياسية، لأن من حظ هذا الوطن أنه لم يسبقه أي برلمان في العالم للموافقة على استحقاق وطني ودستوري بمثل هذا الوقت القياسي.

يبقى القول “أن التمديد حصل ونشرت قراره ومضمونه الجريدة الرسمية، وأن الطعون المقدمة الى المجلس الدستوري قد لا تغيّر من الواقع شيئاً. اللهم أنها تأتي من باب تسجيل موقف سياسي اعتراضي.. للتاريخ.

والسؤال: هل سينام المعنيون من السياسيين على حرير التمديد، أم أن يستفيدوا من الوقت الإضافي ويفتحوا باب النقاش والبحث عن قانون انتخاب وطني وبديل لشيطان قانون الستين المكروه؟ أم أنه كالمعتاد ينتظرون الربع ساعة الأخيرة التي تسبق موعد الانتخابات النيابية المقبلة للتوافق على قانون جديد فيفشلوا وتذهب ريحهم، ثم يبرروا العودة الى الربع الأول، ويمدد للمدد لهم إذا بقي بعضهم على قيد الحياة.

أسئلة مطروحة ربما تجيب عليها الآتي من الأيام. فلننتظر ونصبر على البلاء.