اخبار
الرئيسية > افريقيا > بالفيديو والصور: حفل توقيع «عذاب الذاكرة» لطلعت العبدالله برعاية الوزير علي حسن خليل

بالفيديو والصور: حفل توقيع «عذاب الذاكرة» لطلعت العبدالله برعاية الوزير علي حسن خليل

البحار نت 

رعى وزير الصحة في حكومة تصريف الاعمال علي حسن خليل احتفال توقيع رواية «عذاب الذاكرة» للكاتب المهجري طلعت العبدالله بحضور فاعليات ثقافية واغترابية وإعلامية. وألقى الاعلامي علي بدرالدين كلمة دعا فيها الدولة الى “تكريم المؤلف العبدالله ومنحه وسام الوطن والاغتراب تقديرا لجهوده وعطاءاته في لبنان وبلاد الاغتراب ولإبداعاته وهو الذي أطلق الأدب المهجري اللبناني في أفريقيا”. كما القى الرائد محمد العبد الله كلمة نوه فيها بخصال الاديب المهجري وبما قدمه للبنان المقيم والمغترب.

وألقى طلعت العبدالله كلمة تحدث فيها عن رحلته الاغترابية “والجهود الجبارة التي يقوم بها المغتربون اللبنانيون من أجل وطنهم الأم”، مؤكدا “الحاجة لرعاية هذا الاغتراب”. وتحدث عن تجربته في كتابة القصص والرواية “إنطلاقا من الواقع الذي يعيشه اللبنانيون ويعكس نمط حياتهم في الاقتصاد والثقافة والاجتماع والعلم والمعرفة”.

أما خليل فنوه “بالنتاج الأدبي المتميز والنوعي لعبدالله وإصراره على المثابرة على الكتابة والعطاء”، ورأى في تجربته الاغترابية “مساهمة إضافية مهمة ليبصر كتابه النور”. وأكد ان “الاغتراب اللبناني ثروة حقيقية للبنان وداعم أساسي له في كل الاوقات، ومن دون هذه الثروة لكان حال لبنان الاقتصادي والاجتماعي سيء للغاية”.

وأشار الى زيارته الاخيرة البرازيل ولقائه الجالية اللبنانية وتمنيه عليهم “ألا يعكسوا الوضع اللبناني في علاقاتهم فلبنان الداخل سيتعلم من تجاربكم الناجحة وتماسككم”.

ثم وقع العبدالله كتابه، وهو الكتاب الثاني له بعد «يوم من خريف العمر»، وأقيم عشاء تكريمي.

كلمة الوزير خليل

ليسمح لي كاتبنا وأديبنا وجامع شملنا في هذه الأمسية، أن أخالفه الرأي في اختيار عنوان كتابه الأول «يوم من خريف العمر»، لأننا في يوم ربيعي بامتياز، ونحن في حضرة مولوده الأدبي الثاني نستمتع بحدائقه الغنّاء، ونتنفس عطرها الذي يعبق بالمكان، وحتماً في الزمن الآتي والشاهد أمامكم. شكراً كبيرة لطلعت العبد الله وللكبار من أمثاله الذين بفضلهم لن يموت الوطن ولن تطوى صفحاته المضيئة.

ستبقى رمزاً، نبراساً لكل الحالمين، التائهين من بلدي الذين ضاقت بهم مشارف الأرض ومغاربها، وهم يتوزعون على خرائط العالم يدفعون ثمن نظام سياسي طائفي فاشل. وهم يبحثون عن رزق مأمول أو مجهول. علّهم يستفيدون من تجاربك وأحلامك وحكمتك لأجلهم ولأجل الوطن الذي طاف بهم.

أدبتَ قسطَكَ للعلى.. لكنك ستبقى كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء.. نتمنى لك الصحة والعافية وطول العمر.

عذراً على الإطالة وشكراً لكم جميعاً.

كلمة طلعت العبد الله

يشرّفني ويسعدني أن يرعى هذا الحفل الكريم معالي الوزير علي حسن خليل، وأنا أرحب بكم جميعاً أقرباء وأصدقاء، وأشكر لكم حضوركم لمشاركتي بسروري بصدور كتابي الثاني رواية «عذاب الذاكرة»  الصادرة عن دار الفارابي، شاكراً للدار الغراء جهودها على إنجازها بحلتها الجميلة، بشخص مديرها العام الذي شرّفنا بحضوره بيننا الأستاذ جوزف أبو عقل وله التحية.

في هذه المناسبة العزيزة على قلبي وأنا أهديكم نسخاً من هذه الرواية، لا بدّ لي من كلمة موجزة عنها، ولكنني وجدت صعوبة في الإيجاز، لأن كثرة المجريات والوقائع والمفاجئات والمواجع، تجعل من الإيجاز مستحيلاً، ولذلك عدلت وتركت لكم الحكم عليها بعد قراءتها، لأن الكاتب هو ليس الحكم أو الناقد الأفضل على مؤلفاته، ويترك الحكم للقراء والنقاد.

خلال السنوات الأخيرة، ثمة عدد كبير من الروايات يصدر كل عام، لقد تحولت كتابة الرواية الى ظاهرة في العالم العربي، وهذا تدافع صحي من أجل كتابة العالم والتجارب والذكريات الشخصية والعامة، فالصورة الروائية في أبعادها الجمالية والاجتماعية والاغترابية والسياحية والروحية، تحتاج الى قراءة عميقة ومتأنية، لأنها تنتمي الى متخيّل وواقع ومجتمع ما. ولهذا أتمنى عليكم أن تقرأوا روايتي بهدوء ورغبة، لأن الرواية عمل هادئ وممتع وبعيد جداً عن مشاكل الحياة وضجيجها.

القراءة عمّقت في نفسي روح النقد لما أقرأ وإعادة اكتشاف متعة القراءة لما هو جيد من الرواية، قال الراوي العالمي «ميلان كونديرا»: إذا أردت أن تقول شيئاً عظيماً عليك أن تكتب رواية.

ولكتابة رواية ناجحة شروط كثيرة أولها الإبداع في العمل الروائي والإبداع يحتاج الى الحرية والاستماع لصوت الذات، بكل ما تغور به من آلام وأحلام ومعاناة وآمال، وأنت تعارك الحياة الملأى بالأشرار والأخيار، في عالم لا يرحم الضعفاء والطيبون ويمجد الأقوياء الظالمون.

في الغرب أو في الشرق الأقصى، الكاتب لا يتقيد برغبات الناس والأنظمة عندما يكتب، لأنه حرّ وقضيته هي قضية الحياة، والحياة هي التي تعلم الإنسان بناء عالمه الروحي، ولذلك على الكاتب أن يبقى وفياً للحياة. أما الكاتب العربي، فمعظم الأحيان هو مجبر على التقيد بالتقاليد والأعراف الموروثة وبمحاباة الانظمة.

والآن سأستعرض التحولات التي حدثت في فترة زمنية كنت شاهداً عليها بداية أفول حضارة أوروبا الصناعية ونشوء حضارة الشرق الأقصى الصناعية وتطورها الفائق السرعة. مسرح كتاباتي ومصدرها حيث التعاطي والاندماج مع حضارات ومفاهيم وتقاليد وأعراف لثلاث قارات أفريقيا أوروبا وآسيا الشرق الأقصى، حيث عايشت ناسهم وعملت معهم وتعلمت منهم وحاورتهم في الاقتصاد والاجتماع والتاريخ والدين وقليل في السياسة سأوجز ما استطعت لتصل لكم رسالة المغترب.

هاجر اللبناني الى افريقيا الدول العديدة موطن النجاح والتقدم وتحصيل الأموال التي حوّل بعضها من الوطن الثاني الأفريقي الى الوطن الأول لبنان، أحدثت انتقالاً جذرياً لأهلنا من الفقر الى الغنى والبناء، فعمّ الازدهار الوطن وما زال.

كانت دول أفريقيا ترزح تحت حكم الاستعمار الأوروبي وبعد أن نالت استقلالها الصوري، بقيت مقاليد الاقتصاد بيد الشركات الأوروبية وسياستها بيد المستشارين.

كان الصراع عنيفاً بين اللبناني الفقير الطموح والأوروبي الجبار صاحب النفوذ والمال. أُثخن اللبناني بالجراح ولم يتخلَ عن تشبّثه بالبقاء بأرض الخير والعطاء، ساعده على ذلك أبناء البلد الأصليين الذين أحبوا اللبناني لكرمه ومعاملته الجيدة لهم، لا كما يعاملهم الأوروبي كالخدم والعبيد.

دام هذا الصراع سنين طويلة الى أن فقد الأوروبي القوة على الصمود، فتخلى عن أغلب المواقع ما عدا الاستراتيجية منها، ليحلّ مكانه اللبناني والوطني.

انكفاء الأوروبي الى بلاده ليكتفي بإدارة مصانعه والبعد عن افريقيا، ولم يجد غير اللبناني يثق به ويتعاون معه، فكان هذا التصالح لخير الجميع، فعمّ الازدهار والبناء جميع دول افريقيا بفضل اللبنانيين الذين استثمروا أغلب أموالهم في بناء أفريقيا وتقدمها، دون أن ينسوا عوائلهم في الوطن في العيش الكريم والبناء. وهذه المساعدات التي يرسلها المغترب الى الوطن والبضائع التي يستوردها من مصانع هذا الوطن، هي الدعائم الاساسية والدائمة لبقاء هذا الوطن صامداً شامخاً.

إن الأموال التي يحوّلها المغتربون الى وطنهم رسمياً، تقدر بثمانية مليارات دولار سنوياً، وكذلك الأموال التي يجلبونها معهم نقداً عند زيارتهم لأهلهم ووطنهم، تقدر بالقيمة نفسها، لولا هذه العملة الصعبة بلغة الاقتصاد، لاستحال على الدولة أن تستورد ما تشاء من الخارج من الغذاء والدواء وغيره، ولكان صُنّف لبنان من الدول الأفقر في العالم.

كانت أوروبا المصدّر الوحيد لجميع البضائع الحياتية لأفريقيا، وكنا نسافر الى اوروبا لشراء البضائع وعقد الصفقات، وأنا في أوقات فراغي كنت أكتشف حضارة أوروبا من خلال آثارها ومعالمها الحديثة الشامخة، أقرأ التاريخ وأحاور الحاضر وأتثقف للمستقبل.

عرفنا أوروبا بإنسانها ونظامها الحضاري، فعرفنا الحرية والعدل والقانون، وهذه القيم وللأسف نفتقر إليها في عالمنا النامي. كما اكتشفنا كم هي حاجة أوروبا للمواد الاولية الموجودة في أعماق أرضنا ولأسواقنا لتصريف إنتاجهم الصناعي.

ولكن اوروبا شاخت وفقدت قدرة المنافسة مع بلاد الشرق الأقصى التي أغرقت الأسواق العالمية بالمنتجات الحياتية المتقنة والرخيصة. وصار عندها فائض بالعملة الصعبة، أما أوروبا وحتى اميركا ترضخ تحت عجز هائل من المديونية والعجز الاقتصادي.

فكان اللبناني سباقاً لاستيراد هذه البضائع الى أسواق أفريقيا ووجد اللبناني فرق كبير بين الصانع الغربي والصانع الآسيوي المتواضع المرحّب الكريم.

الغربي لا يؤمن بالله ولا يحمده، إنه مادي غير كريم يعمل قليلاً ويشكو دائماً، متعالٍ على الآخرين. الآسيوي مؤمن صبور متواضع يعمل كثيراً ويكسب قليلاً، إنه في تطور دائم، حكمة شائعة عندهم، الحياة تسير ونحن نعمل، كانت الشمس مشرقة أو كانت ملبدة بالغيوم.

هذه الشعوب آمنت بالكلمة الصادقة وعملت بموجبها بصمت وصبر، ولهذا نجحت، فما أحوجنا في هذه البلاد لأن نتصالح مع أنفسنا ونعمل بصمت وصبر، دون الثرثرة في السياسة دوماً، وننتزع الغلّ من أنفسنا ونحترم ونحب بعضنا بعضاً دون مصلحة.

بلاد الشرق الأقصى من زارها عاد إليها طوعاً أو بقي يحلم بالعودة الى أحضانها وكثير من الناس من جميع أنحاء العالم من استوطنها أنها شعلة الضوء التي تنجذب إليها الفراشات وتهفو اليها الأفئدة.

التجارب الجميلة التي نعيشها مع شعب طيب يصادقك بسرعة ويخلص لك النصح والخدمة، وما السعادة إن لم تكن هذه التجارب البسيطة بين كائن حي وبين الوجود الذي يعيشه في جو من الألفة والتفاهم، تجاوب تام كامل يمكن أن يقيم وحدة الإنسان والحياة كما حدث معي لأكتب روايتي هذه التي ستقرأونها، آملاً أن تنال إعجابكم وتستمتعوا بها.

كم أنا سعيد أن نجتمع سوياً في أجواء ثقافية، يغمر المكان الهدوء والاطمئنان وتتجلى روح المحبة والتسامح والألفة بين الجميع، لنعيش لحظة السمو والحب، اللحظة النادرة، لنصل الى الصفاء الكامل كما جاء في بعض صفحات الرواية، وما أحوجنا لهذا الصفاء في هذه الأيام الملأى بالحوادث المأساوية من قتل وتفجير وفقر وتشرد، نحن في لبنان أبعد الناس عن المنطق الإنساني الآن، فنحن بحاجة ماسة الى التلاقي والتواصل بإخلاص وحب وتجرد، لنعود الى أحضان الإنسانية لنتحصّن من مخاطر الفتن والاقتتالات الطائفية والمذهبية التي نرى ظواهر وأطيافاً واسعة لها في لبنان في العديد من الدول العربية.

أعود لأشكر لكم حضوركم متمنياً لكم سهرة ممتعة والسلام عليكم ورحمة الله.

 المستشار محمد ابراهيم العبد الله

كنت في القاهرة، لحضور مؤتمر لجامعة الدول العربية، حول السياحة البيئية المستدامة، والحفاظ على المدن التراثية، وكان عليّ أن ألقي كلمة لبنان.. وما يعني ذلك من جهوزية وتركيز.

أردت أن أصطحب معي رواية «عذاب الذاكرة» بعد أن شدتني هذه التسمية.. وعند أول استراحة في المؤتمر، أحببت أن أتصفح هذه الرواية، فوجدت فيها متعة في القراءة، قادتني الى إكمالها بشغف، وكل ليلة بعد نهار متعب من المحاضرات والندوات والمقابلات وحفلات التكريم للوفود..

أيها الحضور الكريم

من المتعارف عليه في هكذا لقاءات: أدب المجاملة.. لكن! عندما تقرؤون الرواية ستلمسون جيداً أن الرواية تفرض نفسها، ولا مكان للمجاملة هنا..

المغترب منذ السادسة عشرة من عمره، لم ينسَ يوماً حقيبة صغيرة، مع قلم وورقة وآلة تصوير، ليعيش وبدون الأدب.. هي ملكة، اختصت بها عائلته الكبيرة، فكان منها الكثير من الادباء والشعراء والمثقفين على مر الزمن.

أشياء كثيرة لفتت نظري، فهو المثقف، القارئ الجيد، والمطلع العنيد.. فرغم عناء السفر والغربة والتجارة، عاش ذاكرة بطل الرواية وعذاباته، فكان له مع البطل فصولاً من طفولته وحياته، أرّخ بواسطتها لحقبة مهمة من تاريخ لبنان وبلاد الشام، والكثير من مدن الاغتراب، فجاءت الرواية مليئة بالثقافة العام والتاريخ والجغرافية وعلم التجارة والطب والتحليل النفسي وعلم السياسة والاجتماع، والحكمة (في بداية كل فصل)، والاستشهاد بالآيات القرآنية والتعاليم المسيحية والبوذية والنساك والكهنة وعادات الشعوب وثقافاتها وتقاليدها، حتى ليصح القول بأن هذه الرواية من الأدب العالمي.

تلمس أن الأستاذ طلعت هو بطل الرواية وراويها، لتجده بعد ذلك وفي نقطة مفصلية، خلع رداء الراوي، وارتداء رداء الأدب، وأكمل الرواية بأسلوب شيق وممتع لم يسبقه أحد من كتّاب الروايات في هذا التحوّل.

أيها الحفل الكريم

طلعت العبد الله، أيضاً عاش في بيئة محافظة، تهتم بالقيم والمبادئ والاخلاق، وكان وما زال همّه إشهار كل ذلك للمجتمع، فأصدر أول مجموعة قصصية أبرز من خلالها كلمة حق يفهمها الأديب والمثقف، وها هو الآن يتحرك ويعطي بقدر هذا الوعي، وتلك المعرفة.

لكن.. أبناء العم والحضور الكرام، إن أهم ما لفت نظري في هذه الرواية، هو الإهداء: والذي هو بحد ذاته لغة الكون على مر التاريخ القديم والحديث: علاقة الرجل بالمرأة، أو بالتحديد: علاقة الزوج بزوجته، هذه العلاقة التي تجعل من الاثنين جسداً واحداً وروحاً واحدة: بالرعاية والحب والحنان والعطاء اللامحدود… إن أجمل النساء وجهاً وقلباً وعقلاً هي المرأة التي تقف الى جانب زوجها.. وأن أجمل الرجال من يعيش مع زوجته عيشة فكر وعقل وقلب، فيكون بينهما: المودة والرحمة.

تلك هي السيدة الفاضلة تغريد العبد الله.

وذلك هو اديبنا طلعت العبد الله.

أتمنى للزوجين حياة هادئة رغيدة.. وللأحبة سلام وللأحفاد الصحة والعطاء.

كلمة الاعلامي علي بدرالدين

أمسية جميلةٌ ورائعة يلتقي فيها الأدباء والشعراء والمثقفون والمتعلمون والمغتربون والمقيمون والاصدقاء والمحبّون، بدعوة كريمة من رجلٍ كريم ورائدٍ من رواد الاغتراب وكبار رموزه الناجحين في قطاع الأعمال عنيتُ به الكاتب والأديب والرواي الأستاذ طلعت العبد الله.

نلتقي على طبقٍ أدبي، قصصي، روائي شهيً ومحبَّبْ، طبق لم يسبقه الى تقديمه أي مغترب لبناني أقلّه من القارة الأفريقية. صاحب الدعوة سبق له أن جمع شمل الأصدقاء والأحبّة منذ سنتين بالتمام والكمال على طبقٍ مماثل عندما احتفل بتوقيع كتابه البكر «يومٌ من خريف العمر» والذي شهد تظاهرة ثقافية كالتي نعيش لحظاتها في حفل توقيع مولوده الأدبي الثاني «عذاب الذاكر». ومن خلالهما أطلق الادب المهجري الأفريقي، بعد مخاضٍ عسير ووقتٍ طويل ومتأخر عن بداية انطلاق الأدب المهجري في الأميركيتين على أيدي كبار من الأدباء والمفكرين اللبنانيين الذين تحوّل بفضلهم الى مادة أدبية تدرّس في المدارس والمعاهد والجامعات.

ندرك جيداً أن لهذا التأخير أعذاره وأسبابه وظروفه، لكن “رب ضارة نافعة” حيث قُدِّر لأديبنا أن يكون أول من زرع بذرة الأدب المهجري الأفريقي، ونمّاها وسقاها من مخزونه الثقافي والمعرفي الذي لن ينضب، وقد جسده في كتابين وربما أكثر. أطال الله في عمره.

هذا النتاج الأدبي النوعي المتميز، لم يكن وليد صدفة أو مجرّد هوايةٍ أراد كاتبُنا أن يمارسها في وقت فراغه المستجد بعد أن بلغ سن التقاعد. ولا الهدف منها تسطيرُ حكاياتٍ وسردها لتحكي فقط عن تجربة شخصية عاش فصولها على مدى عقود من غربة أبعدته قسراً عن الأهل والأقارب والخلان، وعن مراتع الطفولة وذكريات الصِبا في بلدته الخيام. كما لم تكن على الاطلاق للتباهي بنجاح أصابه في مجال الأعمال والمال في أفريقيا وفرنسا ولبنان وحصد منه شهادات تقدير وجوائز عالمية مذهّبة من باريس عام 2005، وفرانكوفونات 2009 وماسيّة في لندن عام 2011.

الهدف بالطبع من الانكباب على الكتابة أو العودة الى الجذور، أسمى وأعمق وأبلغ، لأنه أرادها رسالة إنسانية وجدانية أخلاقية معمّدة بالآلام والآمال في آن، وقد سبر أغوارَها بصبر ومثابرة، وحفر صخورها المعاندة والمعرقلة لتحقيق الطموحات والأحلام بإبرة نحيلة في ظروف صعبة وشاقة عبّر من خلالها “عن رحلة الانسان اللبناني وكفاحه المستمر منذ البدايات الأولى” وفق ما أورده في كتابه الأول.

كان من السهل أن يفرغ طلعت العبد الله حقيبة بمضمونها الوطني والإنساني والاغترابي والأدبي في مكان آخر، أو في مناسبةٍ احتفالية خطابية اغترابية، كالتي نشهدها في المؤتمرات الاغترابية في السنوات الأخيرة. غير أن خوفه من أن تضيعَ في متاهات الخلافات والانقسامات السائدة والمعمّمة، أو أن يذهب ريحها وتختفي آثارها وتجرفها تيارات المدّ والجزر وسياسةُ التقوقع والانكفاء والتغريد خارج السرب. والفائدة المرجوة.

لهذا كله أراد لإبداعاته وتجاربه بنجاحاتها وإخفاقاتها ودرايته لأهمية نشرها وتعميمها، أن تحيا في بطون الكتب ليقتفيها ويستفيد من معناها وفحواها وجدواها أجيال متعاقبة من المغتربين، وقوافل الشباب اللبناني الذي ينشد السفر والهجرة والارتحال، باحثاً عن ملاذ لاعتقاده أنه الفانوس السحري الذي سيوفر له مكاناً آمناً واستقراراً فقده في وطنه، أو أن يحقق أحلامَه في العيش الكريم وفي  زمن جمع القرش الأبيض لليوم الأسود. من حقه أن يحلم وأن يرسم خريطة طريق جديدة للنجاح والحياة، بعد أن عجزت الحكومات اللبنانية المتعاقبة منذ الاستقلال عن بناء دولة قوية قادرة عادلة ومتماسكة، وبعد أن سقط حكام وطنية الواحد تلو الآخر في امتحان إدارة الحكم بنجاح ومسؤولية، لأن بعضهم اتكأ على عصا مهزوة أسقطته في فخ الصراعات، وأسقطت معه الدولة ومؤسساتها في الفراغ أو المجهول، وتنازلت عن واجباتها ومسؤولياتها لقادة المحاور والأحياء والزواريب الذي يتحاورون بالنار ويفتخرون بتعداد الضحايا الأبرياء.

ولهذا كله أيضاً أراد طلعت العبد الله من نتاجه الأدبي إضاءة شمعةٍ على دروب الغربة وبصيص نور باتجاه بوصلة الوطن، وأن ينسج منه ألماً شافياً، وأملاً قد يتحقق ولو بعد حين، وأن يُنعش أحلاماً كأحلامه التي رافقته كظله في مشواره الطويل وهو الغارق في هموم الوطن والعمل والعائلة.

ولم يشأ أن يستريح قبل اكتمال عقد مشواره وإيصال رسالته الى من يهمهم الأمر، وعندما حان القطاف لملمَ أشلاء أحلامه ووثّقها في ضفتي كتابيه: «يوم من خريف العمر» و«عذاب الذاكرة».

هل نجح العبد الله في خياره؟ نعم بتوفيق من الله، وبعزيمة لم تقو عليها سنون الغربة والتعب والترحال، وبإرادة لم تكسرها الشدائد والصعاب. فترك ليراعه أن يخطّ تاريخاً مغمساً بالهموم والمعاناة والآمال والأحلام التي أرهقت مخيلته وقضّت مضاجعه بأسلوب ممتع وشيّق وسهل ممتنع وبروح صافية ونفس سامية وصدق مستفيض وعقل راجح ومتنور هادف للأفضل والأعلى.

أسلوب صاغته أيادي طفولته البريئة الطرية التي داعبت بفرح وسعادة وعفوية تراب بلدته الخيام وتحوّلت بفعل العمل والكد والكفاح والطموح الى أيدٍ تعطي ولا تأخذ، أيد تدعو الى الله وتبتهل اليه، من عائلة نهجها البذل والعطاء، عائلة عريقة في النسب والأصالة والوطنية، من سماتها ردّ التحية بأحسن منها. ولها صولاتها وجولاتها في السياسة والنيابة والوزارة والاغتراب، وفي الثقافة والأدب والشعر، وفي الاقتصاد والسياحة، واجهت بجرأة وشجاعة ومسؤولية كل الذين أرادوا السوء بالوطن أو بإيقاعه في شرور الفتنة.

إن طلعت العبد الله الإبن الوفي المخلص المطيع لوطنه وبلدته وناسه، يستحق أن يكون شمساً، نجماً مكرماً في وطنه ومن دولته، ومنحه بلا تردد أو تأخير أو مماطلة، وسام الوطن والاغتراب. وهو ل يزال في قمة عطائه وفارساً مقداماً على صهوة جواده، لا أن تكرَّم الفوارس أمثاله عندما تترجّل أو تغيب شمسها أو يأفل نجمها (اللهم إني بلّغت).