اخبار
الرئيسية > مقالات > مؤتمر جامعة المغتربين بين الإنعقاد والتأجيل

مؤتمر جامعة المغتربين بين الإنعقاد والتأجيل

كتب علي بدر الدين 

على وقع الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية الصعبة التي يشهدها لبنان. ووجوده في قلب التطورات المتسارعة التي تلهب المنطقة والعالم، وتنذر بتداعيات خطيرة سيتشظى فيها لبنان حتماً. اتخذت الأمانة العامة للجامعة اللبنانية الثقافية في العالم، قراراً جريئاً تمثل بالدعوة التي وجهها أمينها العام القنصل رمزي حيدر الى المغتربين اللبنانيين المنتسبين الى الجامعة، الحضور الى لبنان والمشاركة في المؤتمر الخامس عشر لها الذي سيحتضنه مقر الأونيسكو في بيروت أواخر الشهر المقبل، على مدى ثلاثة أيام (24 و25 و26) تشرين الأول، برعاية وزير الخارجية والمغتربين في حكومة تصريف الأعمال عدنان منصور.

إن الدعوة الى المؤتمر، في مثل هذه الظروف الاستثنائية جداً، تؤشر الى أن المعنيين بشؤون الاغتراب والجامعة، ربما أرادوا توجيه رسائل الى من يعنيهم الأمر، بأن رئاسة الجامعة وأمانتها العامة وهيئتها الإدارية، ملتزمون بالأنظمة والقوانين المرعية في المؤسسة الاغترابية لجهة عقد المؤتمر في زمانه ومكانه. ولا يرغبون بالتمديد للهيئة الإدارية الحالية في عصر سياسة التمديد المعتمدة في مؤسسات دستورية وعسكرية وأمنية. وأنه بإمكان الهيئة الحالية تجاوز قطوع الظروف السائدة في لبنان والمنطقة، على الرغم من أن مؤشراتها ومعطياتها ووقائعها تنبئ بأنه من الصعوبة بمكان انعقاد المؤتمر الذي يمكن تأجيله أو إلغاؤه، من دون اعتراض أو ردات فعل من أيٍ كان، لأن المبررات موجودة وكثيرة ومقنعة لدى الجميع.

واللافت في مضمون الدعوة، أن الرعاية الرسمية ستتمثل بوزير في حكومة تصريف الأعمال، وهذا يوحي ببقائها حتى ما بعد انعقاد المؤتمر، وكأن الجهة الداعية تمتلك ما يكفي من المعلومات لطلب هذه الرعاية. وكان بإمكانها تأجيل التطورات الى ما قبل انعقاد المؤتمر بأيام فقط، حتى لا تفاجئها التطورات. الجهة الداعية الى المؤتمر، بادرت الى القيام بسلسلة من المشاورات والاتصالات مع الجهات المعنية الرسمية والاغترابية بالشأن الاغترابي، علّها تنجح في تقويض واستئصال الانقسام العمودي والأفقي الذي تعاني منه الجامعة، والذي حوّلها الى ثلاث جامعات وثلاثة رؤساء.

يدّعي البعض أنه وجامعته يمثلان الشرعية، ويتهم غيره بانتحال صفة وتجاوز القانون وتقسيم الجامعة، مع أن رئيسين من ثلاثة رؤساء هما مسعد حجل وألبير متى، حاولا دمج الجامعتين بمبادرة فشلت قبل أن تولد، لأنها جاءت كردة فعل على صدور حكم قضائي يتهم الهيئة الحالية للجامعة بأنها غير شرعية. مما أعاد الأمور الى نقطة البداية. ولم ينجحا في استثمار الصورة المشتركة التي جمعتهما في إحدى المناسبات الوطنية. أما الرئيس الثالث ميشال الدويهي لا يزال يغرد وجامعته خارج السرب لا تعنيه أية مبادرة حوارية توحيدية، لأنه والذين سبقوه يتحركون وفق أجندة سياسية، طائفية، اصطفافية، لأخذ قسم من المغتربين اللبنانيين الى مكان آخر والتمترس خلف جدار من التعصب أو التمايز، تحت عناوين وشعارات لا وطنية، وقد انتهى مفعولها وعصرها وجدواها، في ظل متغيرات جذرية شكلاً ومضموناً، ساهمت في إفلاس مشاريع التسلط والهيمنة وإسقاطها بالضربة القاضية. وانتجت بديلاً عنها معايير حدودية وطنية ومفاهيم عصرية، تصلح كأساس لمد جسور الفواصل والحوار والانفتاح.

وربما كان من الأجدى أن تقدم الجامعة الحالية برئاسة مسعد حجل الى معاودة إطلاق مبادرة حوارية للمّ الشمل الاغترابي، قبل تطيير رسائل الدعوة الى المؤتمر، للتشاور بجدية ومسؤولية في مجمل الملف الاغترابي مع أركان الاغتراب ورموزه ورواده من الذين يمتلكون الحكمة والخبرة والباع الطويل في مسيرة الاغتراب والجامعة، وهم قادرون على المساهمة الفعالة في تصويب مسار الجامعة وتفعيلها. والاستفادة القصوى من الطاقات والإمكانات الاغترابية التي يتعهد فيها للمغتربين قدراتهم على دعم الوطن الأم والنهوض باقتصاده. وحتى لا تتحوّل الجامعة المفترض أن تكون حاضنة للمغتربين مجرد اسم ومناصب وهمية لا قيمة لها ولا فائدة منها. أو جسد من دون روح، رغم تعدّد الرؤوس التي عمّقت من جروحها وأرهقتها سياسة التفرقة والترقيع والهروب، وأنهكتها كثرة المؤامرات الشكلية الاعتباطية، خاصة التي تقام في الخارج حيث لا يدري أحد ماذا يطبخ فيها من مواقف وقرارات تؤشر الى مزيد من الشرخ والانقسام والشلل المزمن الذي لن تشفيه المسكنات والمناورات الكلامية.

لا شك بأن الدولة اللبنانية ساهمت عن قصد أو غير قصد، في ما آلت إليه الجامعة من موت سريري قد لا تُشفى منه على الاطلاق. لأنها حتى في عز حضورها وقوة سلطتها كانت الغائب الأكبر عن الاهتمام بالملف الاغترابي، ولم تعطه ما يستحقه من متابعة ورعاية. رغم تغنِّيها الدائم في كل مناسبة بقوة الاغتراب وقدراته البشرية والمالية والاقتصادية والسياسية، حيث تبوّأ كثيرون من المغتربين مراكز متقدمة في السياسة والاقتصاد والتعليم والمال. ومع هذا الاعتراف الصريح، تركت حبل الاغتراب منفلتاً، تتآكله الخلافات والصراعات والاستهدافات والحملات الصهيونية المسعورة عليه  في كل مكان ينجح  فيه المغتربون بإقامة أفضل العلاقات مع رؤساء وحكّام وشعوب الدول التي يتواجدون فيها، خاصة في القارة الأفريقية.

وقد حاولت بعض الحكومات المتعاقبة في السنوات الأخيرة إظهار الالتفات الى الشأن الاغترابي وإبداء الاهتمام بالمغتربين، علّها تصلح بعض ما أفسده النظام السياسي الطائفي، وتكفّر عن عدم تقديمها سياسة اغترابية وطنية واضحة تستجيب لمطالب المغتربين المزمنة.. ولكن من دون طائل، لأنه لا يمكن لسياسة الارتجال والترقيع أن تصلح ما أفسده دهر من تغليب المصالح السياسية والطائفية على مصلحة لبنان بجناحيه المقيم والمغترب، حتى أن هذه السياسة الملتوية تجاه الاغتراب فشلت في المحافظة على وزارة المغتربين التي ذهب ريحَها، بعد أن تخلى عنها الداعون إليها من سياسيين ومغتربين استسلموا للأمر الواقع من نقاش أو جدال.

بطبيعة الحال، نأمل أن تنتهي الظروف الملائمة لانعقاد المؤتمر الاغترابي الخامس عشر في زمانه ومكانه المحدّدين في بيروت، وأن يلبّي المدعوون دعوة الأمانة العامة للجامعة والمشاركة بكثافة وفعالية في المؤتمر وتقديم مبادرات فاعلة ومنتجة وجدية، ومدّهِ بأفكارٍ اغترابية جديدة تسهم في بناء جامعة اغترابية وطنية واحدة، لا مكان فيها للسياسة المشوّهة وللطائفية السوداء وللمصالح الآنية، والعمل بقوة الإيمان بوحدة لبنان وأهله ومؤسساته، لإحداث تغيير جذري من قاعدتها الى قمة هرمها، وإعطاء قوة دفعٍ لدورها ومفاهيمها وأنظمتها، وانتخاب رئيس يكون على مستوى التحديات وينتشل الجامعة قبل إغراقها بفعل فاعل في وحول الطائفية البغيضة والسياسة العمياء. ويكون قادراً على قيادة سفينة التغيير التي تتسع للجميع وتحقّق الأهداف المرجوة، خاصة وأن الاغتراب يزخر بكثير من القادة الكبار التي بلغت الجامعة عزّها ومجدها وقمة عطائها، خلال وجودهم في رئاستها، ومن هؤلاء الرئيس العالمي السابق السيد أحمد ناصر الذي سيظل عهده في رئاسة الجامعة (2005 ــ 2001) منارة مضيئة ونهجاً وطنياً وحدوياً حوارياً يحتذى به على قاعدة قيادته الناضجة وإدارته المتميزة وإنجازاته التي يشار إليها بالبُنان في لبنان وبلاد الاغتراب، ورعى سلسلة من النشاطات والندوات الفنية والثقافية والبيئية، ومد يد العون والمساعدة والمتابعة والاهتمام بالمغتربين اللبنانيين في أفريقيا وأوروبا وأميركا الجنوبية وغيرها، خاصة في المحن والشدائد والاضطرابات التي كانت تحصل ببعض الدول الأفريقية. لهذا فوجئنا وفوجئ الكثير من المغتربين، كيف أن أحمد ناصر صاحب هذه الإنجازات الجبارة غير المسبوقة والذي قدّم الكثير للمواطن بمقيمه ومغتربيه، يُغيَّبُ عن الوفد الرئاسي الذي زار مؤخراً عدداً من الدول الأفريقية.. غير أنه كان الغائب الحاضر لمناقبيته ووطنيته وخدماته وقيادته الناجحة جداً للجامعة التي كانت على «قاب قوسين» من الانهيار والاحتضار، فأنقذها قبل فوات الأوان ووضعها على السكة الصحيحة.

أعتقد جازماً على ضوء ما تقدم أن أحمد ناصر وفي حال انعقاد المؤتمر او أي مؤتمر اغترابي، سيكون الناخب الأول والأكثر فعالية في اختيار رئيس جديد للجامعة أو أي رئيس لها في كل زمان ومكان. ليس لشخصيته المميزة فحسب، بل لنهجه الوطني الحدودي ولرأيه السديد والصائب وانفتاحه على الجميع من دون تعقيدات أو حسابات شخصية أو مصالح ضيقة. هو لكل هذه المقومات، استطاع العبور بالجامعة والاغتراب الى شاطئ الأمان، والى إرساء مداميك صلبة لها تصونها من كل الاستهدافات وتحصّنها بالقوة والمناعة.. والبقاء.

السؤال: هل يعقد المؤتمر أو يؤجّل؟ أو تمدّد الهيئة الحالية لنفسها أسوةً بغيرها من المؤسسات؟ «وما حدا أحسن من حدا». المبررات جاهزة ولا تحتاج الى أكثر من بضعة أسطر لإعلان التأجيل أو التمديد الى ما شاء الله.